عثمان بن جني ( ابن جني )
383
الخصائص
نعم ، وإذا كانوا قد أقرّوا حكم الواحد على تكسيره مع ثقل ما صاروا إليه مراعاة لأحكامه ؛ نحو بأز وبئزان حتى شبهوه برأل ورئلان ، كان إقرار قلب الأثقل إلى الأخفّ عند التكسير أولى وأجدر ؛ ألا ترى أن الهمزة أثقل من الياء . وكذلك قولهم لياح - وإنما هو فعال من لاح يلوح لبياضه - قد راعوا فيه انقلاب عينه مع الكسرة في ( لياح ) على ضعف هذا الأثر ؛ لأنه ليس بجمع ( كحياض ورياض ) ولا مصدر كقيام وصيام . فإقرار الحكم القوىّ الوجوب في الواحد عند تكسيره أجدر بالجواز . وكذلك حديث قنية وصبيان وصبية في إقرار الياء بحالها ، مع زوال الكسرة في صبيان وقنية . وذلك أن القلب مع الكسرة لم يكن له قوّة في القياس ، وإنما كان مجنوحا به إلى الاستخفاف . وذلك أن الكسرة لم تل الواو ؛ ألا ترى أن بينهما حاجزا وإن كان ساكنا فإن مثله في أكثر اللغة يحجز . وذلك نحو جرو وعلو ، وصنو ، وقنو ، ومجول ، ومقول ، و ( قرواح ، وجلواخ ، وقرواش ، ودرواس ) " 1 " وهذا كثير فاش . فلما أعلّوا في صبية وبابه ، علم أن أقوى سببي القلب إنما هو طلب الاستخفاف ، لا متابعة الكسر مضطرّا إلى الإعلال فلمّا كان الأمر كذلك أمضوا العزمة في ملازمة الياء ؛ لأنه لم يزل من الكسرة مؤثّر يحكم القياس له بقوّة فيدعو زواله إلى المصير إلى ضدّ الحكم الذي كان وجب به ، وليس هذا كمياثق ؛ من قبل أن القلب في ميثاق واجب ، والقلب في قنية وصبية ليس بواجب ، فكأن باب ميثاق أثّر في النفس أثرا قوّى الحكم فقرّره هناك ، فلمّا زال بقي حكمه دالا على قوّة الحكم الذي كان به ، وباب صبية وعلية أقرّ حكمه مع زوال الكسرة عنه ؛ اعتذارا في ذلك بأن الأوّل لم يكن عن وجوب لزوال ما دعا إليه ، وإنما كان استحسانا ، فليكن مع زوال الكسر أيضا استحسانا . أفلا ترى إلى اختلاف حال الأصلين في الضعف والقوّة ، كيف صرت له بهما إلى فرع واحد ، وهو القلب . فإنه جيّد في معناه ، ونافع في سواه ، مما هو شرواه " 2 " .
--> ( 1 ) القرواح : الفضاء من الأرض التي ليس بها شجر ، وناقة قرواح : طويلة القوائم . والجلواخ : الوادي الواسع الممتلئ . والقرواش : الطفيلىّ والعظيم الرأس . والدّرواس : من معانيه العظيم الرأس ، الأسد . ( 2 ) شروى الشئ مثله ، واوه مبدلة من الياء ، لأن الشئ إنما يشرى بمثله .